محمد بن جرير الطبري

62

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

في قوله : وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ قال : ما ظهر الخمر ، وما بطن : الزنا . القول في تأويل قوله تعالى : وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ يقول تعالى ذكره : قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ يعني بالنفس التي حرم الله قتلها : نفس مؤمن أو معاهد . وقوله : إِلَّا بِالْحَقِّ يعني : بما أباح قتلها به من أن تقتل نفسا فتقتل قودا بها ، أو تزني وهي محصنة فترجم ، أو ترتد عن دينها الحق فتقتل ؛ فذلك الحق الذي أباح الله جل ثناؤه قتل النفس التي حرم على المؤمنين قتلها به . ذلِكُمْ يعني : هذه الأمور التي عهد إلينا فيها ربنا أن لا نأتيه وأن لا ندعه ، هي الأمور التي أوصانا والكافرين بها أن نعمل جميعا به . لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ يقول : وصاكم بذلك لعلكم تعقلون ما وصاكم به ربكم . القول في تأويل قوله تعالى : وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ يعني جل ثناؤه بقوله : وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ولا تقربوا ماله إلا بما فيه صلاحه وتثميره . كما : حدثني المثنى ، قال : ثنا الحماني ، قال : ثنا شريك ، عن ليث ، عن مجاهد : وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ قال : التجارة فيه . حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فليثمر ماله . حدثني الحرث ، قال : ثنا عبد العزيز ، قال : ثنا فضيل بن مرزوق العنزي ، عن سليط بن بلال ، عن الضحاك بن مزاحم ، في قوله : وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ قال : يبتغي له فيه ، ولا يأخذ من ربحه شيئا . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ قال : التي هي أحسن : أن يأكل بالمعروف إن افتقر ، وإن استغنى فلا يأكل ؛ قال الله : وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ . قال : وسئل عن الكسوة فقال : لم يذكر الله الكسوة إنما ذكر الأكل . وأما قوله : حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ فإن الأشد جمع شد ، كما الأضر جمع ضر ، وكما الأشر جمع شر . والشد : القوة ، وهو استحكام قوة شبابه وسنه ، كما شد النهار ارتفاعه وامتداده ، يقال : أتيته شد النهار ومد النهار ، وذلك حين امتداده وارتفاعه ؛ وكان المفضل فيما بلغني ينشد بيت عنترة : عهدي به شد النهار كأنما * خضب اللبان ورأسه بالعظلم ومنه قول الآخر : يطيف به شد النهار ظعينة * طويلة أنقاء اليدين سحوق وكان بعض البصريين يزعم أن الأشد اسم مثل الآنك . فأما أهل التأويل فإنهم مختلفون في الحين الذي إذا بلغه الإنسان قيل بلغ أشده ، فقال بعضهم : يقال ذلك له إذا بلغ الحلم . ذكر من قال ذلك : حدثني أحمد بن عبد الرحمن ، قال : ثنا عمي قال : أخبرني يحيى بن أيوب ، عن عمرو بن الحرث ، عن ربيعة ، في قوله : حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ قال : الحلم . حدثني أحمد بن عبد الرحمن ، قال : ثنا عمي ، قال : ثني عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، عن أبيه زيد بن أسلم ، مثله . قال ابن وهب : وقال لي مالك مثله . حدثت عن